الشيخ محمد رشيد رضا

327

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إذا أراد أن يكون مسلما وتعذر عليه ترك يقينه في المسألة : انه لا يصح إيمانه ولا يقبل اسلامه وإن أيقن يأن القرآن كلام اللّه وأنه لا نص فيه يعارض يقينه ؟ ؟ هذا وإن المتبادر من لفظ النفس بصرف النظر عن الروايات والتقاليد المسلمات أنها هي الماهية أو الحقيقة التي كان بها الانسان هو هذا الكائن الممتاز على غيره من الكائنات أي خلقكم من جنس واحد وحقيقة واحدة ولا فرق في هذا بين أن تكون هذه الحقيقة بدئت بآدم كما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين أو بدئت بغيره وانقرضوا كما قاله بعض الشيعة والصوفية أو بدئت بعدة أصول انبث منها عدة أصناف كما عليه بعض الباحثين ولا بين أن تكون هذه الأصول أو الأصل مما ارتقى عن بعض الحيوانات أو خلق مستقلا على ما عليه الخلاف بين الناس في هذا العصر واللّه تعالى يقول في سورة المؤمنين ( 23 : 12 وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ) الآيات وسنبين في تفسيرها أو تفسير سورة الحجر ما يفيده مجموع الآيات المنزلة في خلق الانسان من كيفية تكوينه على كل حال وكل قول يصح أن جميع الناس هم من نفس واحدة هي الانسانية التي كانوا بها ناسا وهي التي يتفق الذين يدعون إلى خير الناس وبرهم ودفع الأذى عنهم على كونها هي الحقيقة الجامعة لهم فتراهم على اختلافهم في أصل الانسان يقولون عن جميع الأجناس والأصناف إنهم اخوتنا في الانسانية فيعدون الانسانية مناط الوحدة وداعية الألفة والتعاطف بين البشر سواء اعتقدوا أن أباهم آدم عليه السّلام أو القرد أو غير ذلك . وهذا المعنى هو المراد من تذكير الناس بأنهم من نفس واحدة لأنه مقدمة للكلام في حقوق الأيتام والارحام ، وليس كلاما مستقلا لبيان مسائل الخلق والتكوين بالتفصيل لأن هذا ليس من مقاصد الدين . وبهذا التفسير ينحل ما سيأتي من الاشكال اللفظي بأوضح مما حلوه به أما حقيقة النفس التي يحيا به الانسان وتتحقق وحدة جنسه على كثرة أصنافه فقد اختلف فيها المسلمون كما اختلف فيها من قبلهم ومن بعدهم « 1 » فقال بعضهم هي عرض من

--> ( 1 ) أعنى يمن بعدهم من صار لهم بعدهم حياة علمية كالأفرنج فقد كان المسلمون ولا شريك لهم في هذه الحياة وصاروا ولا وجود لهم فيها إذ لا تسمع لأحد منهم رأيا ولا مذهبا في مسألة ما من مسائل العلم والفلسفة كما كان سلفهم ولعلهم يعودون